قصة قصيرة بعنوان"النصيحة التي غيرت حياتي"



استيقظت كالعادة في هذا الصباح والدموع تملئ عيناي، كنت مشتاقةً جدًا إليه لا شيء يخفف هذا الشوق الذي يسكن قلبي، مرت فترة طويلة على أخر لقاءٍ بيننا، لقد رأيته أخر مرة عندما أدخلنا أختي المستشفى مازلت أذكر رقم الغرفة ١١١ التي رأيته فيها، لكن على كل حال بعد الأن لن أراه ولن أجازف لأراه أو أتحدث معه سأقطع كل علاقتي به، فهو لا يستحق لقد آلامني كثيرًا لعب بي وبمشاعري كالعادة، لا يستحق أي فرصة، على كل حال ما نفع هذا الكلام الأن علاي الذهاب لسوق بأسرع وقت لا يجب أن أتأخر.

خرجت مسرعةً لم أتوقع أبدًا بما سيحدث معي في هذا النهار كانت المفاجأة تنتظرني وفي طريقها إلي، اشتريت كل ما أريده من السوق وتوجهتُ إلى الموقف لأصعد في سيارةٍ، ولكن قبل ذلك رأيت كتابًا لفت نظري في بسطة الكتب التي على حافة الطريق اقتربت بسرعة وانحنيت قليلاً لالتقاط الكتاب، مددت يدي وأنا أمد يدي رأيت ظلاً لشخص يقف خلفي لم أعط أهميةً للموضوع، حملت الكتاب وقلت لرجل صاحب البسطة:

_بكم هذا الكتاب يا عم؟

وقال لي: ١٥٠ ألفًا يا صغيرتي، كان كتابًا من الكتب التي أرغب بقراءتها منذ فترة طويلة كتابٌ لدستويفسكي لطالما كانت كتبه تلفت نظري فهو كاتبي المفضل بعد سيلفيا بلاث.

عمّ الهدوء لدقيقتين وأنا أقلّب أول الصفحات في الكتاب، وكان الظل مازال أمأمي أنا متأكدة بأن هذا الشخص الواقف خلفي يعرفني، فالتففت بسرعةٍ وإذا بالبرود والغضب والألم والدهشة يهاجمون قلبي في نفس اللحظة لم أدري ما أقول لقد صدمت صدمةً جعلتني أتلبك لا أدري ما أقول، كان الواقف أمامي هو نفس الشخص، نفس الشخص الذي كنت أنتظر منه بأن يحدثني منذ شهر وبأن يشرح لي سبب غيابه وتغيره المفاجئ معي، بدأنا نحن الاثنان نحدق ببعضنا ننظر بعيون بعضنا البعض، لم نتفوه بكلمة بقينا هكذا دقيقةً كاملة، كان كل الذين من حولنا ينظرون إلينا وحتى صاحب البسطة أسمعهم يتمتمون يقولون كلامًا لم أفهمه، كان كل تفكيري بمن ظهر الأن أمامي.

_ما الذي يريده مني؟!

_وبعد ماذا يأتي أساسًا؟! بقيت هذه الكلمات تتصارع داخل رأسي، إلى أن بدأت أنا بالكلام غاضبةً وقلت: _أتعلمُ بأني بدت الأن أكرهك جدًا؟

_أتعلم بأن فرصة رجوعنا أصبحت مستحيلة؟

_هل تعلم لماذا؟؟

_لأنك تركتني وأنا في أصعب مراحل حياتي، صحيحٌ بأني أتظاهر وأنا في قمة الاستقرار إلا أني أتألم، أتعلم كيف أتألم؟ هل أصف لك الشعور قليلاً، هل ترغب بالسماع؟؟

إذاً فلتسمع، فلتسمع عن ما أُعانيه، عن الشعّور الذي يقتلني كل يوم.

رد قائلاً: أرجوك اسمعيني أنا أعلم بأني خذلتك وتركتك وحدك، لكن اسمعيني.

كنت أنا هنا أصرخ في وجهه وأرمي الكلام بسرعة كالرصاص دون توقف وأبكي أبكي بشدة، في وسط الشارع والناس ينظرون، لم يكن يهمني أحد كنت فقط أريد أن أخرج كل ما بداخلي من كلام، فقلت: أنا يا عزيزي أبكي، أبكي دون سبب، وأحيانًا أفكر بقتل نفسي والرحيل وأحيانًا أخرى أختنق لا أعلم كيف يحدث هذا لكني أختنق أشعر كما لو أن نفسي سيتوقف قلبي هذا سيتوقف، لم أنتهي بعد هذه ليست إلا بداية لما أشعّر، أرى أحلامي تتلاشى كل شيءٍ يتلاشى أنا أيضًا أتلاشى ربما سأصبح سرابًا عما قريب سرابًا ليس إلا لن يبقى لي وجود، وأرى كل من حولي يهاجمونني نعم أنا الأن أُهاجم من كل الأشخاص، من عائلتي وحتى إخوتي، إخوتي الذين كنتُ أقول لك بأنهم يحبونني جدًا بدت الأن لا أرى إلا الكره في عيونهم أراهم يهاجمونني كلما أردت فعل شيء، لا يفهمونني يشعرونني بأني حملٌ صعبٌ عليهم، أتعلم أيضًا بأني بدأت أفكر بنفسي وكيف سأعيش إن مات والدي، لأن إخوتي لن يقفو معي سيخنقون على نفسي لن يدعونني أعيش سيجعلون من حياتي جحيم أنا متأكدة، وأنا، أنا لا أحد هنا يسألني عن شعّوري عن ما أُريد كيف أعيش كيف أنام كيف أقضي أيامي، لم تأتي يومًا لتسألني، أنت تعلم بأني أكتب وحلمي هذا بأن أصبح كاتبة هو كل ما أعيش لأجله.

_هل تعلم بأن الكلمات لم تعد تخرج مني؟

_هل تعلم بأني لا أجيد وصف شيء؟

_هل تعلم بأن حياتي أصبحت كابوسًا وجحيمًا في غيابك؟

_أتعلم بكل هذا؟؟؟

_وهل تعلم بأني في هذا الشهر الذي ابتعدت فيه عني، كنت كلما جلست ومسكت القلم لأكتب أمزق كل ورقة أكتب عليها، هل تعلم؟

_هل تعلم لماذا؟

لأن الكلمات ما عادت تخرج مني ما عادت تخرج مني، وأصرخ في وجهه، يحاول هو الاقتراب مني في هذه الأثناء إلا أني أبعده قائلةً: لقد خسرت الحق في الإقتراب مني، ابتعد عني،

والندم يملئه وظاهرٌ عليه، وهنا أنا هدأت قليلاً، وكل من حولنا من الناس بدأوا يتفرقون ويبتعدون، ربما قالوا بأن الشجار انتهى لم يبقى شيءٌ مهمٌ لينظروا إليه.

لكن نحن الاثنان كنا في هدوءٍ تام فقط ننتظر ليتكلم أحدٌ منا، فقال لي: أنا أعلم بأني أزيتك كثيرًا جرحتك وهنتك لم أكن عادلاً معك أبدًا، لكني الأن عدت، لقد عدت لأصلح كل شيء لنعود كما كنا، صدقني هذه المرة لن تندمي لأنك تعطينني فرصة سأثبت لك كم أحبك لن أخذلك هذه المرة، أنا أحبك جدًا صدقيني، وسأشرح لك لما تركتك طول هذه المدة، وعندما تسمعين السبب لن تتركيني بل ستبقين معي، قاطعت حديثه وقلت: أنا أسفة لن أعود هذه المرة ولن أعطيك أي فرصة لقد خسرت كل الفرص وخسرتني أيضًا ولم يبقى شيء لنتحدث عنه.

قال: أرجوك أرجوك لست كما كنت من قبل أنا الأن صادقٌ في كلامي وكما وعدتك من قبل سنتزوج سأفعل كل ما تريدين حتى إنني سأجد عملاً وأجني المال بالحلال سننجب طفلان، ألم نتفق هكذا؟ أرجوك لا تفعلي هذا بنا أرجوك.

وقلت أنا: هل انتهيت، هل مازال هناك ما ستضيفه لحديثك الطويل هذا، هل هناك؟؟

قال: لا.

إذًا فلتسمعني أنا لن أعود ولن يعود شيءٌ كما كان، لأن قلبي هذا تحمل ورأى الكثير منك، لن يعطيك فرصة أخرى حتى لو كنت صادقًا هذه المرة، فدعنا نفترق ونترك دون أن نؤلم بعضنا فهذا هو أفضل حل لي ولك صدقني، قال لي: أهذا أخر كلامٍ عندك؟

قالت: نعم.

صمت الاثنان، حاول كل منهما حمل نفسه كما لو أنه وقع من شجرة عالية ولا يقوى على حمل نفسه والمضّي قدمًا إلا أنه مجبورٌ على حمل نفسه والرحيل.

قال هو: أنا لن أنساك، أنا مازلت أحبك وسأبقى ولن أتزوج بفتاة أخرى إما أنت أو لا أحد، دمعت عيناي في تلك اللحظة نظرت إليه حاولت بأن أمسك نفسي من الإنهيار في أحضانه، صمت هو، وقال: انتبهي لنفسك.

 وقلت: وأنت أيضًا.

وقال: الوداع.

فقلت: الوداع.

ورحل مشى دون أن ينظر للخلف وحتى أنا أدرت ظهري واقتربت من العم وأنا حاملةٌ الكتاب بيدي وقلت: لقد قلت لي ١٥٠ ألفًا أليس كذلك؟

وقال حرامٌ عليك يا ابنتي، نظرت مستغربةً إليه، لكنه أكمل كلامه وقال: أنا أعلم بأنه لا يحق لي الكلام فهذه حياتك أنت وأنت من تقررين إن كان يستحق بأن تعودي أم لا، كنت أصغي لكل ما يقولوه، قال لي: أنا سأنصحك نصحيةً أبوية عودي إليه وأعطيه فرصةً فأنا رأيت في عينه وعينيك أيضًا حبًا كبيرًا، لا تفسدا هذا الحب فأنا رجلٌ وأعلم بما يفكرون الرجال صحيحٌ بأني كبيرٌ في السن إلا أني أفهم وأعرف الحب الحقيقي، إنه يحبك يا ابنتي لا تتركيه فلتلحقي به ولتمسكي بيديه ولا تتركيه هيا يا ابنتي ماذا تنتظرين، قلت له: والكتاب ألن أعطيك ثمنه؟

قال لي: هل مازلت تفكرين بالكتاب؟

هل الكتاب أهم منه؟!!

قال لي: فلتذهبي يا ابنتي ولا أريد ثمن الكتاب هذا، الكتاب هديةٌ مني لك.

كنت أفكر بكلام الرجل العجوز وأقول لن أسمح لأي شيءٍ بأن يأخذ حبي مني هذه المرة سأعطيه فرصةً وفرصتان ومئات الفرص سأموت وأنا أعطيه الفرص لن أتركه.

شكرت العم على الكتاب وودعته وركضت بأقسى سرعة ورائه، كنت فرحة بالكتاب وفرحتي الأكبر لأنه عاد ولن يتركني، للحظاتٍ نسيت كل ما فعله بي وركضت كنت خائفة من أن لا أجده ويرحل للأبد، وحدث ما أتوقعه ركضت كثيرًا في كل السوق والشوارع، حاولت الاتصال به لكن هاتفه كان مغلقًا كنت سأبكي بكيت حقًا جلست بعيدةً عن ضجيج السوق وأصوات الناس ومحركات السيارات وجلست قرب محلٍ للحفر على الفضة والأشياء القديمة، كان محلاً بعيدًا عن السوق يقع في شمال السوق، كنا دائمًا ما نلتقي في هذا الشارع وقرب هذا المحل بالذات.

جلست جمعت يدي الاثنين فوق بعض مستندةً على قدماي وأنزلت رأسي فوق يدي وبدأت بالبكاء بصمت دون أن أصدر صوتًا، فشعرت فجأةً بأن أحد ما وضع يده على رأسي وحاول بأن يرفع رأسي لصدره خفت وصرخت وحاولت إبعاده عني دون أن أنظر لوجهه وقال لي: إهدئي هذا أنا فقلت: أنا أعلم هذا الصوت، فنظرت لوجهه، وقلت متفاجئةً: أهذا أنت؟!!

وقمت واحتضنته بسرعةٍ وبكيت بكيت كثيرًا وكان هو يحاول بأن يخفف عني ويمسح دموعي، فقلت له: لن أتركك أبدًا لن أتركك لقد عدت إليك وسأعطيك بدل هذه الفرصة آلاف الفرص أنا أحبك أحبك، فقال: وأنا أيضًا، لن أضيّع هذه الفرصة وسأثبت لك بأني حقًا تغيرت.

وهكذا عاد الاثنان لبعضهما وتزوجو وبعد سنة ونصف تقريبًا ذهبا لبسطة الرجل العجوز هما وطفلهم الذي يبلغ من العمر ستة أشهر وعرفهم الرجل من أول وصولهم واستقبلهم بحب وحنان وكأنهم أولاده وحمل الطفل ولعب معه وأضحك الطفل الرجل العجوز كثيرًا وهو يحاول شد ذقنه وشعره، وقال الرجل العجوز: لو لم تسمعي بنصيحتي لما كان هذا الملاك الصغير موجودًا الأن، فقالت: لقد سمعت بنصيحتك وها نحن تزوجنا وأنجبنا طفلاً أيضًا ونعيش بسعادةٍ أيضًا، لكني تعلمت شيئًا من كل ما حدث، وهو بأنه لا توجد فرصةٌ أخيرة هناك دائمًا فرصٌ جديدة لكن علينا نحن بأن نختار الشخص الذي يستحق والأشياء التي تستحق فرصةً أخرى.


شادية غورلي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

واقع الأندية الثقافية والأدبية مجد الدين العرب

ماذا تقول عنك صورتك الشخصية على مواقع التواصل

المجالس الأدبية تطورها ودورها وتأثيرها على المجتمع .......مجد الدين العرب