واقع الأندية الثقافية والأدبية مجد الدين العرب
واقع الأندية الثقافية والأدبية
كنت قد كتبت مقالًا بعنوان " المجالس الأدبية تطورها ودورها وتأثيرها على المجتمع "، تحدثت فيه عن نشأة المجالس الأدبية وتطورها، وهذا المقال - الذي أنت في صدد قرأته - أتحدث فيه أن واقع الأندية الثقافية التي انتشرت بين المثقفين.
أول ما علينا فهمه، معنى الثقافة:
إن أي نادي ثقافي أو أدبي يُعنى بالأدب والثقافة لا يكون بغية الشُهرة وكسب المال أو شعبية بين طبقة المثقفين، إنما يقتضي عملها على هدف نبيل وسام وهو زيادة الوعي الثقافي عند هذه الفئة المثقفة ورفع المستوى المعرفي لديها.
وكلمة نادي تعني المجلس، قال الإمام الالبيري في منظومته ” تائية الالبيري “ - وهي قصيدة يَحث فيها رجلًا إسمه أبو بكر على العلم والمواظبة عليه -:
وَتَحمِلُ مِنهُ في ناديكَ تاجًا
وَيَكسوكَ الجَمالَ إِذا اِغتَرَبتا
ويقصد بالبيت أنك يا أبا بكر - وهو المُخاطَبُ في القصيدة ولم يُعلم إن كان ابنه أو ابن أخته - تحمل العِلم تاجًا في مجلسك، وبين من تجالسهم من ذوي العلم والمعرفة.
والثقافة: أصلها ثقف ( فعل )، وثقف الشيء أي أقام المُعوَجَّ منه وسوّاه، ثقف الإنسان أي أدّبه وهذبه وعَلَّمه.
والثقافة يُعنى بها العُلُومِ وَالفُنُونِ وَالآدَابِ.
وهنا نلتفت إلى نفطة مهمة، إذ أن الثقافة والتثقيف لا يقتصر على العلوم والفنون، بل ويشتمل على تهذيب النفس وتأديبها.
قال عنترة في إحدى متعلقاته:
جادتْ له كفي بعاجل طعنة
بمُثَقَّفٍ صَدْقِ الكُعُوبِ مُقَوَّم
ومعنى ”مُثَقَّفٍ“ هنا الرمح كما جاء معناها في المعجم، فنفهم من البيت أن مُثَقَّفٍ تعني الرمح الحاد، فالمثقف بمعناها المعاصر والتي تعني المتعلم، ولا فرق بين الرمح والنتعلم في شيء، إذ أن الشاهد من هذا التشبيه أنه يجب على المتعلم أن يكون كالرمح يقطع الجهل والتخلف بعلمه وأدبه وسلوكه الحسن ومبادئه الرفيعة القويمة، وفهمه المتزن لمجمل الأمور.
ولعل السؤال هنا: هل للقائم على النادي الثقافي او الأدبية دور في عمل ناديه وفعاليَتِه؟
والإجابة: إن القائم على هكذا أندية يجب عليه أن يمتلك كمًا من المعرفة وعلمًا ودراية في القيادة زإدارة الحوار، ولعل البعض قد يتعجب، فهدفه ليس قيادة هذه الفئة، وهو بالفعل ليس قيادتها بل قيادة العلم إلى الأذهان، ومن الخصال التي يجب أن تتوافر به أن لا يمس في عقيدة من عقائد أحد من أعضاء من يجالسونه في النادي فلا يحق أن يفصل معتقد أحد عن الثقافة، فالدين نوع من أنواع الثقافة ومعرفتها والتعرف عليها ضرب من ضروب العلم، وكذلك لا يحق له أن يغير في معتقاد أحد أو أن يفرض اعتقاده على أحد.
وأرى أن أصحاب هذه المؤسسات الأدبية الصغيرة المعاصرة غالبيتهم يعمّدون إلى جعل النادي حلبة Propaganda، فكل يسعى إلى إشهار نفسه، وإيصال نفسه للقمة، حتى وإن تَطَلَبَهُ الأمر التخلي عن المبادئ الأخلاقية.
خلاصة القول: على النوادي الثقافية الكف عن السعي خلف المكاسب الدنيوية التي لا تغني سِوا بالشيء القليل، والتوقفِ عن الجري خلف بناء الأمجاد التي لا تعود بالنفع على المجتمع، قال الشاعر:
وَما يُغنيكَ تَشيِيدُ المَباني
إِذا بِالجَهلِ نَفسَكَ قَد هَدَمتا
فأرى أن السعي خلف ملذات الشهرة جهل، والأولى والأجدر الإعراض عنها، والمضي في إظهار القيمة الحقيقة للثقافة، وهي "بنظري" الإنسان، لأنه هو مصدرها وهو صانعها، وباعثها للوجود الفكري.
كتبه: مَجْد الدّين العَرَب
نبذة عن الكاتب:
• من مواليد بلدة شعت البقاعيّة، 1998
• خريج معهد الأبرار التّقني بتخصصين:
- بكالوريا في الإنتاج الفندقي ( bt )
- إمتياز فنيّ في هندسة البناء والأشغال العامة ( ts )
• حائز على شهادة في التّصوير الفوتغرافي مصدقة من وزارة التّربية والتّعليم
• مجاز في التّاريخ من الجامعة اللّبنانية.
• دراسات عليا في تاريخ العصر الوسيط - ماجستير سنة ثانية ك.

تعليقات
إرسال تعليق